منتدى مكتبة البلدية نعيمي عبد القادر

هذا المنتدى هو فضاء حر للمناقشات بين منتسبي مكتبة البلدية نعيمي عبد القادر - سيدي بلعباس
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 شاعر الدعوة الاسلامية :الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة الانصاري الخزرجي لدكتور محمد بن الحجوي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
hachemi22



المساهمات : 17
تاريخ التسجيل : 24/07/2011

مُساهمةموضوع: شاعر الدعوة الاسلامية :الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة الانصاري الخزرجي لدكتور محمد بن الحجوي    الإثنين 22 أغسطس 2011 - 11:40

هذه سيرة عملية لأحد الصحابة الذين ساندوا الرسول صلى الله عليه
وسلم في مرحلة الشدة، واخلصوا له طيلة حياتهم في القول والعمل حتى انتقلوا
إلى جوار ربهم، وهو راض عنهم، فهم أنموذج لكل مسلم في الإخلاص لدينه
ولرسوله عليه السلام، ولأمته.
نسبه ومكانته في قومه.
هو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ
القيس الأكبر بن مالك الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث.(1)
وكان عظيم القدر في قومه، سيداً من سادتها، وشاعراً من شعرائها
الذين كانوا يردون على أعداء قومهم. وقد كان يناقض الشاعر قيس بن الخطيم
في الحروب التي جرت بين الأوس والخزرج في الجاهلية.(2)
عبد الله بن رواحة العقبي النقيب.
كان عبد الله بن رواحة من الأنصار الذين حضروا العقبة الثانية
لمبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم
وأبناءهم، وكان عددهم ثلاثة وسبعين.
وكان رسول الله عليه السلام قد طلب من القوم في هذه البيعة أن
يخرجوا له منهم اثني عشر نقيباً، ليكونوا على قومهم بما فيهم، فكان عبد الله بن
رواحة أحد هؤلاء النقباء الذين أعطوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عهداً
وميثاقاً لحمايته ونصرته على أعدائه، وعدم التخلي عنه ولو أصابتهم الشدائد
والمحن، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الاجتماع مبيناً لهم
الموقف الذي ينبغي أن يكونوا عليه بعد هذه البيعة: «أنتم على قومكم بما فيهم
كفلاء، ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم. وأنا كفيل على قومي ـ يعني المسلمين
ـ قالوا: نعم.»(3)
وفي هذا اللقاء قام العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري وخطب في
القوم قائلاً: «يا معشر الخزرج، تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم.
قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا
نهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتل أسلمتموه، فمن الآن، فهو والله إن فعلتم
خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه على نكهة
الأموال، وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة. قالوا: فإنا نأخذه
على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف؛ فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا
بذلك؟ قال: الجنة. قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه.»(4)
وقد وفى الأنصار بوعدهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فآووه
في المدينة عزيزاً كريماً، وآووا إخوانهم المهاجرين، وبذلوا لهم المحبة الخالصة،
فلم يشعروا بفقدان الديار والأهل والوطن، لأنهم وجدوا لهم في المدينة المنورة
إخوة في الدين اقتسموا معهم كل شيء، ونصروا الإسلام بأموالهم وأرواحهم،
وظلوا على الوفاء والعهد حتى أعز الله بهم وبإخوانهم المهاجرين الإسلام
والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وكسر شوكتهم في عقر دارهم. وكان أول
اختبار لهم في ميدان القتال لنصرة الإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم قد ظهر
في معركة بدر الكبرى حيث قام سعد بن معاذ معبراً عن رأي الأنصار في
خوضهم هذه المعركة، ومطمئناً الرسول صلى الله عليه وسلم على موقفهم الثابت
في بيعتهم له عليه السلام، فقال، رضي الله عنه: «فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا
أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، على السمع
والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق، لو
استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما
نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء؛ لعل الله
يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله.
فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونشطه ذلك؛ ثم
قال: سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن
أنظر إلى مصارع القوم.»(5)
مكانة عبد الله بن رواحة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أسلم عبد الله بن رواحة مع قومه في بيعة العقبة، وكان أحد النقباء
الذين أعطوا للرسول صلى الله عليه وسلم العهود والمواثيق على السمع والطاعة،
وتوفير الحماية والأمن له ولإخوانهم المهاجرين، ونصرة الإسلام والدفاع عنه
بالأموال والأنفس. وقد قربه عليه السلام، وأصبحت له مكانة متميزة بين
الصحابة، رضوان الله عليهم، قال ابن سلام الجمحي: «وكان في الإسلام عظيم
القدر والمكانة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.»(6)
وقد عبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن محبته له في كثير
من المواطن، فقد بعثه في يوم بدر بشيراً إلى أهل العالية. وقال عنه، عليه السلام،
في بيان عبادته وزهده ومحبته لذكر الله في المواضع التي يرضى عنها الله
ورسوله: «يرحم الله ابن رواحة، انه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة.»
وكان كثير التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في العبادة والسلوك والأقوال
والزهد، شجاعاً مقداماً، غير متهيب في الحروب من أجل نصرة الإسلام وحماية
رسول الله عليه السلام، وقد شهد بدراً وأحداً والخندق، ومشاهد رسول الله صلى
الله عليه وسلم كلها إلا الفتح وما بعده.(7)
وفي عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبعة للهجرة كان ابن
رواحة يأخذ بخطام ناقة النبي، عليه السلام، وهو يرتجز برجز يذم فيه موقف
المشركين في عدائهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويؤكد إيمانه بدعوته عليه
السلام، وجهاده في سبيل الله، دون أن يخشى شرهم ومكرهم، وسكان مكة ما
زالوا آنذاك على شركهم وعدائهم لرسول الله، ومن هذا الرجز قوله:
خلوا بني الكفار عن سبيله
خلوا فكل الخير في رسوله
يا رب إني مؤمن بقيله
أعرف حق الله في قبوله.(
عبد الله بن رواحة شاعر الدعوة الإسلامية.
أصبح عبد الله بن رواحة بعد هجرة النبي إلى المدينة المنورة
أحد شعراء الدعوة الإسلامية الذين كانوا يردون على شعراء قريش ومن تحالف
معهم حينما تناولوا الرسول عليه السلام بالهجاء والقذف. وشعراء الدعوة
الإسلامية هم بالإضافة إلى ابن رواحة حسان بن ثابت وكعب بن مالك. وكان
الأخيران يهجوان المشركين بذكر الوقائع ومثالب القوم، فكان ذلك هينا عليهم قبل
إسلامهم، وحينما أسلموا وعرفوا نعمة نور الإسلام، وما كانوا فيه من ضلال
وجهل أصبح شعره أشد عليهم من ضربة سيف أو رمية سهم.
وإذا كان عبد الله بن رواحة قد تميز بشاعريته في العصر
الجاهلي، إذ كان يناقض الشاعر قيس بن الخطيم في حروبهم في الجاهلية، ويرد
على أعداء قومه(9)، فإنه لم يكن يحسن فن الهجاء بذكر المثالب والعيوب التي
تؤلم القوم وتوجعهم مثل حسان بن ثابت، رضي الله عنهما. ذكر أصحاب
الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة، وقد تناولته قريش
بالهجاء، قال لعبد الله بن رواحة: «رد عني؛ فذهب في قديمهم وأولهم، فلم يصنع
في الهجاء شيئاً. فأمر كعب بن مالك، فذكر الحرب، كقوله:
نصل السيوف إذا قصرن بخطونا
قدما، ونلحقها إذا لم تلحق.
فلم يصنع في الهجاء شيئاً. فدعا حسان بن ثابت فقال: اهجهم، وائت أبا بكر
يخبرك
أي بمعائب القوم ـ وكان أبو بكر علامة القوم، وكان جبير بن
مطعم أخذ العلم عن أبي بكر.»(10) وبرغم أن عبد الله بن رواحة لم يصنع شيئاً
في الهجاء الذي يتعرض للمثالب والأنساب مثل ما فعل حسان بن ثابت فإنه نظم
أشعاراً كثيرة أظهر فيها نعمة الإسلام على قومه الذين توحدوا بفضل هذا الدين،
وزال ما كان بينهم من الضغائن والأحقاد والحروب، بينما الكفار الذين يحاربون
الرسول، عليه السلام، غارقون في الجهل والضلال. كما بين فضل نبي الرحمة
على هذه الأمة التي أخرجها من ظلام الجاهلية الذي كانت تتخبط فيه إلى نور
الإسلام الذي أبصرت به الطريق سوياً، ونص في مواضع كثيرة على إيمانه
الصادق، وإقراره بأن قومه كانوا في جاهليتهم على ضلال وفرقة حتى مَنَّ الله
عليهم بالإسلام الذي وحدهم وأنقذهم مما كانوا فيه، وجعل عبادتهم خالصة لله،
وأنهم يتأسون بعبادة وسيرة الرسول الكريم الذي جعلوه مثلاً أعلى لهم في الدين
وفي المعاملات. ومنها قوله، رضي الله عنه:
وفينا رسول الله يتلو كتابه
إذا انشق معروف من الفجر ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا
به موقنات، أن ما قال واقع.(11)
وفي إشارته إلى عبادة رسول الله، وخشيته وطاعته لربه يقول:
يبيت يجافي جنبه عن فراشه
إذا استثقلت بالمشركين المضاجع.(12)
ومن أشعاره التي استحسنها الرسول صلى الله عليه وسلم غاية
الاستحسان، وقد أظهر فيها ابن رواحة إيمان قومه بهذه الدعوة، وقتالهم في سبيل
الله لحماية الدين والرسول عليه السلام، لكونهم تفرسوا فيه الخير، فنصروه بدون
تردد أو تشكيك في أقواله أو عداء له مثل ما فعل أصحاب مكة قوله، رضي الله
عنه:
نجالد الناس عن عرض فنأسرهم
فينا النبي، وفينا تنزل السور
وقد علمتم بأن ليس غالبنا
حي من الناس، إن عزوا وإن كثروا
يا هاشم الخير إن الله فضلكم
على البرية فضلاً ما له غير
إني تفرست فيك الخير أعرفه
فراسة خالفتهم في الذي نظروا
ولو سألت أو استنصرت بعضهم
في جل أمرك ما آووا وما نصروا
فثبت الله ما آتاك من حسن
تثبيت موسى، ونصرا كالذي نصروا.
قال رضي الله عنه حينما أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم
هذه الأبيات: «فأقبل عليَّ بوجهه متبسماً، ثم قال: وإياك فثبت الله.»(13)
جهاده في سبيل الله:
لم يتأخر عبد الله بن رواحة عن مشهد شهده رسول الله صلى
الله عليه وسلم حتى قتل يوم مؤتة شهيداً أميراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم
. وكانت أمنيته، رضي الله عنه، أن يموت شهيداً، فكتب الله له الشهادة في ذلك
اليوم، وفتحت له الجنة مع الأنبياء والشهداء والصديقين.
ذكر زيد بن أرقم، وكان يتيماً في حجره، أنه كان، رضي الله
عنه، يتمنى الشهادة في يوم مؤتة، فقال: «فخرج بي في سفره ذلك مردفي على
حقيبة رحله، فو الله انه ليسير ليلة إذ سمعته ينشد أبياته هذه:
إذا أديتني وحملت رحلي
مسيرة أربع بعد الحساء(14)
فشأنك أنعم وخلاك ذم
ولا أرجع إلى أهلي ورائي(15)
وجاء المسلمون وغادروني
بأرض الشام مشتهى الثواء
وردك كل ذي نسب قريب
إلى الرحمن منقطع الإخاء
هنالك لا أبالي طلع بعل
ولا نخل أسافله رواء.(16)
فلما سمعتهن منه بكيت. قال: فخفقني بالدرة، وقال: ما عليك
يا لكع أن يرزقني الله شهادة وترجع بين شعبتي الرحل.»(17)
وقد استجاب الله لأمنيته، فمات شهيداً أميراً، ثابتاً على إيمانه
وموقفه من الدعوة منذ أن هداه الله للإسلام، مستجيباً لما دعا الله المؤمنين من
القتال في سبيله كأنهم بنيان مرصوص، «إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله
صفاً كأنهم بنيان مرصوص.»(18)
خبر يوم مؤتة.(19)
وقعت غزوة مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان للهجرة،
وكان عدد المسلمين الذين شاركوا فيها يقدر بثلاثة آلاف مجاهد. وقد جعل رسول
الله صلى الله عليه وسلم إمارة الجيش فيها لزيد بن حارثة، وقال عليه السلام: «إن
أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن
رواحة على الناس.»(20)
دور ابن رواحة في هذه المعركة.
خرج عبد الله بن رواحة مع المجاهدين تحت إمرة زيد بن
حارثة، وقد ودع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبيات من الشعر، منها قوله:
أنت الرسول فمن يحرم نوافله
والوجه منه، فقد أزرى به القدر.(21)
وكان، رضي الله عنه، متحمساً للجهاد في سبيل الله،
راجياً من الله أن يبلي في هذه المعركة بلاء حسنا في قتال الأعداء، يجازى به
عند الله خير الجزاء، فقال وهو متأهب للخروج:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة
وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا(22)
أو طعنة بيدي حران مجهزة
بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي
أرشده الله من غاز وقد رشدا.(23)
وكان المسلمون، وهم في طريقهم إلى العدو، قد نزلوا في مكان
يقال له: «معان» من أرض الشام، فسمعوا أن هرقل قد جهز مئة ألف من الروم،
وانضم إليهم عدد كبير من لخم وجذام والقين وبهراء وبلي.(24). فاجتمع
المسلمون فيما بينهم، وقرروا أن يخبروا الرسول عليه السلام بعدد العدو وبمن
تحالف معه ليمدهم بالمجاهدين أو يرى رأيا، لكن ابن رواحة كان له رأي آخر،
فقام خطيباً في القوم، وقال: «يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون
الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي
أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة.»(25)
فلما سمع المسلون هذا الكلام تشجعوا وأقبلوا على قتال العدو
بحماس، لا يبالون بعددهم وعدتهم، سائلين الله النصر أو الشهادة.
وكان، رحمه الله، قد أنشد أيضاً أبياتاً حماسية ذكر فيها ما جلبوا
من خيل وعتاد ليزيد في رفع همم المسلمين لملاقاة عدوهم بصبر وجلد في
ميدان القتال، وإيمان بنصر من الله لهم، فقال:
جلبنا الخيل من أجأ وفرع
تغر من الحشيش لها العكوم(26)
حذوناها من الصوان سبتا
أزل كأن صفحته أديم(27)
أقامت ليلتين على معان
فأعقب بعد فترتها جموم
فرحنا والجياد مسومات
تنفس في مناخرها السموم(28)
في ميدان المعركة.
دارت المعركة بين المسلمين وأعدائهم في قرية مؤتة، وكان
العدو يتفوق على المسلمين بالعدد والعدة، لكن عزيمة المسلمين كانت أقوى وأشد
من عددهم وعدتهم، لأنهم أصحاب رسالة ومبدأ، فإما هزيمة للعدو تزلزل
الأرض من تحت أقدامه، ويستبشر بها الرسول، عليه السلام، والمسلمون في
المدينة، وإما شهادة ينالون بها رضوان الله وجنته التي وسعت السماوات
والأرض. فكانت المعركة بين الطرفين ضارية أبلى فيها المسلمون بلاء شديدا،
وصمدوا في وجه العدو برغم كثرته وتفوقه في عدته، فاستشهد قائد المسلمين
وحامل راية رسول الله زيد بن حارثة، ثم تولى القيادة بعده تطبيقاً لوصية الرسول
الأكرم جعفر بن أبي طالب الذي قاتل بضراوة وشدة حتى استشهد رحمه الله، ثم
تولى القيادة من بعده عبد الله بن رواحة فتقدم إلى العدو لكنه تردد قليلاً، وكأن
رهبة الموت قد ملكت عليه نفسه، لكنه سرعان ما تخلص منها فتقدم كالأسد، وهو
يلوم نفسه على هذا التردد، وقال:
أقسمت يا نفس لتنزلنه
لتنــــــزلن أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنه
ما لي أراك تكرهين الجنه
قد طال ما قد كنت مطمئنه
هل أنت إلا نطفة في شنه.(29)
وقال أيضاً:
يا نفس إلا تقتلي تموتي
هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت
إن تفعلي فعلمها هديت.(30)
فدخل، رحمه الله، إلى ميدان المعركة ليحقق نصراً يعلى به شأن
الإسلام، أو ينال الشهادة التي طالما انتظرها لتدخله جنة الرحمن، فقاتل بضراوة
وشدة مثل القائدين السابقين حتى سقط شهيداً رحمه الله، وقد فتحت له باب الجنة،
واستجاب الله لأمنيته التي طالما انتظرها. ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم وقال: يا
معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل. فاتفق
المسلمون بعد ذلك أن يأخذ الراية خالد بن الوليد الذي دافع القوم حتى انصرف
بالمسلمين إلى بر الأمان، لأنه رأى المعركة بين الطرفين غير متكافئة عدة
وعددا، فلم يكن في حساب المسلمين ما أعد لهم العدو.
وفي تردد ابن رواحة بعض التردد حينما أخذ الراية وهم بالدخول
في المعركة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد علم بإصابة قادته الثلاثة:
«لقد رفعوا إلي في الجنة، فيما يرى النائم، على سرر من ذهب، فرأيت في سرير
عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه، فقلت: عم هذا؟ فقيل لي:
مضيا وتردد عبد الله بعض التردد، ثم مضى.»(31)
وقد رثى حسان بن ثابت، رضي الله عنه، المسلمين الذين
استشهدوا في هذه المعركة، وذكر شجاعة وإقدام قادة رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فقال:
فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا
بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر(32)
وزيد وعبد الله حين تتابعوا
جميعا، وأسباب المنية تخطر.(33)
وقال في قصيدة أخرى
ثم جودي للخزرجي بدمع
سيدا كان ثم غير نزور
قد أتانا من قتلهم ما كفانا
فبحزن نبيت غير سرور.(34)
العبرة التي نأخذها من سيرة هذا الصحابي الجليل.
إن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسيرة أصحابه،
رضوان الله عليهم، الذين أخلصوا له في حياته وبعد مماته، وكانوا بجانبه في
جميع الظروف والأحوال، لتعد النموذج الأمثل الذي ينبغي أن يقتدي به
المسلمون في كل زمان ومكان، فهؤلاء الرجال آمنوا بما دعاهم الرسول الأمين
إليه بصدق، وأحبوه بصدق، ودافعوا عن الإسلام بإيمان قوى وبكل ما أوتوا من
قوة وجهد، لم تلههم تجارة ولا مال ولا ولد ولا زينة الحياة الدنيا. والصحابي
الجليل عبد الله بن رواحة مثل هذه السيرة البيضاء خير تمثيل، فمنذ إسلامه،
رضي الله عنه، ومبايعته للرسول، عليه السلام، على السمع والطاعة مع قومه،
ظل وفياً لعهده، ولازم رسول الله، وتأسى بسيرته العطرة، ودافع عن رسالة
الإسلام بالكلمة الصادقة والجهاد الذي خاضه الرسول وأصحابه، فلم يتخلف عن
غزوة غزاها الرسول، عليه السلام، ولم يغب عن مشهد تعلى فيه كلمة الله، ويعز
فيه الإسلام والرسول الصادق الأمين. وكل كلمة قالها في شعره عبرت عن هذه
المواقف الصادقة، والمشاهد النبيلة التي يرضى عنها الله ورسوله، ودلت على
كراهيته الشديدة للكفر والضلال والعصيان، وعلى صدق إيمانه بكل ما جاء به
الرسول، عليه السلام، وأخبر به من غيبيات، وما وعدهم به من نعيم وجنة جزاء
ما قدموا من أفعال صادقة. ومما عبر به عن ذلك في شعره قوله:
يا رب لولا أنت ما اهتدينا
ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا
وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الكفار قد بغوا علينا
وإن أرادوا فتنة أبينا.(35)
وفي كل مناسبة كان يعبر فيها عن إيمانه وتشبثه بالعقيدة، فهذه
الأبيات وان جاءت على سبيل أعراض الكلام أبرز فيها المعاني التي جاءت في
كتاب الله، وهي قوله:
شهدت بأن وعد الله حق
وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف
وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة شداد
ملائكة الإله مسومينا.(36)
ورثى الشهداء الذين سبقوه للشهادة لنصرة الإسلام والرسول عليه
السلام، ومن ذلك القصيدة التي رثى بها سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب الذي
استشهد في معركة أحد، ومنها قوله:
بكت عيني وحق لها بكاها
وما يغني البكاء ولا العويل
على أسد الإله غداة قالوا
أحمزة ذاكم الرجل القتيل؟
أصيب به المسلمون جميعا
هناك وقد أصيب به الرسول
أبا يعلى لك الأركان هدت
وأنت الماجد البر الوصول(37)
عليك سلام ربك في جنان
مخالطها نعيم لا يزول.(38)
بهذا الإيمان الصادق والمواقف النبيلة انتصر الرسول، عليه
السلام، وأصحابه، رضوان الله عليهم، على المشركين في مكة ومن تحالف
معهم، ونشروا رسالة الإسلام في آفاق الأرض، وأخرجوا الناس من الظلمات إلى
النور، ونشروا بين جميع الناس دون تمييز بين لونهم وطبقاتهم الاجتماعية العدل
والسلام والأمن، فسعدت الأمم التي دخلت في هذا الدين، ونعمت بعدالة الإسلام
ومساواته وأخلاقه وشريعته السمحاء.
وإذا كان الصحابة قد أدوا هذا الدور النبيل وهم بجانب الرسول
الأمين، وظلوا أوفياء لرسولهم، ولما دعاهم إليه بعد وفاته عليه السلام، فإن سيرة
الرسول، عليه الصلاة والسلام، العطرة، وسيرة أصحابه الذين ظلوا على العهد
والوفاء حتى لقوا ربهم، وهو راض عنهم، ينبغي أن تكون حاضرة في ذهن كل
مسلم ليقتدي بسلوكهم وأعمالهم وأقوالهم ومواقفهم، لأن سيرتهم من توجيه نبي
الرحمة الذي كانوا يرون فيه المثل الأعلى في العبادة والسلوك والأقوال والأفعال،
وهو القائل فيهم، عليه السلام: «أصحابي كالنجوم بأيهم اهتديتم اقتديتم.»
إن الأمم لا تنهض وتقوى على السير، وتتغلب على المصاعب إلا
برجالها الذين يستحضرون تاريخ أمتهم لكي يستلهموا منه العبر، فيكون ماضيهم
المجيد دافعاً لهم للسير على النهج القويم الذي اتخذه الأسلاف، ليحققوا بمثل
أعمالهم وصبرهم أمجاداً في الحاضر. والأمة الإسلامية عريقة في حضارتها
ومجدها الذي صنعته بالعلم والجهاد والصبر، فما من أرض وطنت فيها أقدام
المسلمين إلا وعرفت نهضة في العلم والفكر والعمران. وشباب هذه الأمة، وهم
يبنون نهضتهم الحديثة، ينبغي أن تكون صورة تاريخهم وماضيهم برجاله
وأحداثه ونهضته في كل الميادين حاضرة في أذهانهم، ليكون إنتاجهم وعطاؤهم
في الدين والعلم والعمران مضاهيا لما فعل السلف بل أكثر إشراقاً في هذه
المرحلة التي كثر فيها أعداء الإسلام.
الهوامش:
1ـ السيرة: 2/101. وجمهرة أنساب العرب:363.
2ـ طبقات فحول الشعراء: 1/223.
3ـ السيرة: 2/88.
4ـ المصدر نفسه: 2/88 ـ 89.
5ـ المصدر نفسه: 2/267.
6ـ طبقات فحول الشعراء: 1/223.
7ـ السيرة: 2/101.
8ـ ديوانه: 101.
9ـ شعر النقائض، وهو أن ينظم الشاعر شعراً يتغنى فيه بأمجاد قومه، ويذكر
مثالب الأعداء، فيعمد شاعر من أعدائه لتفنيد أقواله في قصيدة من نفس الوزن
والقافية. وكان الأوس والخزرج في الجاهلية في حروب دائمة، ولم تهدأ حتى
أنعم الله عليهم بالإسلام الذي وحدهم وألف بين قلوبهم. ومن الأشعار التي قيلت
في النقائض بين الحيين قصيدة قيس بن الخطيم التي قالها في يوم الفضاء، وكان
الأوس قد انتصروا فيها على الخزرج، ومطلعها:
صرمت اليوم حبلك من كنودا
لتبدل حبلها حبلا جديدا
وقد ناقضه ابن رواحة بقصيدة، مطلعها:
تذكر بعدما شطت نجودا
وكانت تيمت قلبي وليدا.
10ـ طبقات فحول الشعراء: 1/217. ذكر ابن سلام جبير بن مطعم لأنه كان
أعلم الناس بأنساب العرب وأخبارهم. وأخذه هذا العلم عن أبي بكر، رضي الله
عنه، دليل على سعة علم صاحب رسول الله عليه السلام.
11ـ ديوانه: 96.
12ـ المصدر نفسه.
13ـ طبقات فحول الشعراء: 1/225 ـ 226.
14ـ الحساء: مكان فيه ماء.
15ـ قوله: فشأنك أنعم....، أي تصبح ناقته طليقة بعد استشهاده في سبيل الله.
16ـ طلع النخل: وهو الذي يشرب بعروقه من الأرض. واللكع: اللئيم.
17ـ السيرة: 4/18 ـ 19.
18ـ سورة الصف، آية 4.
19ـ مؤتة، قرية من أرض البلقاء من الشام.
20ـ السيرة: 4/15.
21ـ المصدر نفسه: 4/16. النوافل: العطايا والمواهب. وأزرى به القدر: قصر به.
22ـ ذات فرع: ذات سعة. والزبد، هنا: رغوة الدم. وضربة مجهزة: سريعة قاتلة. تنفذ الأحشاء: تخترقها.
23ـ السيرة: 4/16. والجدث: القبر.
24ـ بلى وبهراء، من ولد عمرو بن الحافي بن قضاعة. وجذام، هو عمرو بن عدي بن الحارث بن مرة.
ولخم هم لخم بن عدي بن الحارث بن مرة...والقين، هو النعمان بن جسر؛ وكان
قد حضنه عبد له يقال له القين، فغلب عليه. أنظر: جمهرة أنساب العرب: 419 ـ 422 ـ 440 ـ 454.
25 ـ السيرة: 4/17.
26ـ أجأ: جبل بطئ، ويذكر معه جبل آخر وهو سلمى. وفرع: أطول جبل بأجأ.
27ـ حذوناها من الصوان سبتا: أي جعلنا للخيل أحذية حتى لا تتأذى بالحجارة.
السبت: نعال من جلود مدبوغة، وقد ذكرها هنا مجازاً، أما الأحذية فهي من حديد.
28ـ السيرة: 4/17. وديوانه: 102 ـ 103. الجياد المسومات: المرسلات. والسموم: ريح حارة.
29ـ ديوانه: 108 ـ 109. الشنه: السقاء.
30ـ السيرة: 4/20 ـ 20 ـ 21. وديوانه: 87. قوله: إن تفعلي فعلهما، أراد
الشهيدين زيدا وجعفر بن أبي طالب، رضي الله عنهما.
31ـ السيرة: 4/22. الازورار: الميل والعوج.
32ـ قوله: ذو الجناحين، أراد الشهيد جعفر بن أبي طالب الذي قطعت يداه في
المعركة، فجعل الله له جناحين في الجنة يطير بهما.
33ـ السيرة: 4/26.
34ـ المصدر نفسه: 4/30.
35ـ ديوانه: 106 ـ 107.
36ـ رفع الحجب: 1/137.، وديوانه: 106. وسبب نظم هذه الأبيات أن امرأته
كانت قد عاينته يطأ جارية له، فعاتبته على ذلك، فأنكر، وكانت تعلم أنه لا يقرأ
القرآن وهو جنب، فألحت عليه أن يقرأ سورة من القرآن، فقال تلك الأبيات التي
ظنتها قرآناً. وهذا يسمى عند البلاغيين أعراض الكلام، وهو «كلام يشبه بعضه
بعضا في المعاني»
37ـ أبو يعلى، كنية حمزة، رضي الله عنه.
38ـ ديوانه: 98.
المصادر:
1ـ جمهرة أنساب العرب. أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي.
تحقيق وتعليق: عبد السلام هارون. ط 4. دار المعارف
2ـ ديوان عبد الله بن رواحة الأنصاري الخزرجي. دراسة وجمع وتحقيق الدكتور
حسن محمد با جوده. دار التراث. القاهرة
3ـ رفع الحجب المستورة عن محاسن المقصورة. أبو القاسم الشريف السبتي.
تحقيق وشرح صاحب المقال. مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
المغرب. ط 1. 1997م
4ـ السيرة النبوية لابن هشام. تحقيق المجموعة. دار إحياء التراث العربي.
بيروت ـ لبنان.
5ـ طبقات فحول الشعراء. محمد بن سلام الجمحي. تحقيق محمود محمد شاكر. مطبعة المدني. القاهرة

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
شاعر الدعوة الاسلامية :الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة الانصاري الخزرجي لدكتور محمد بن الحجوي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى مكتبة البلدية نعيمي عبد القادر :: اســلامــيــات-
انتقل الى: